روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
50
عرائس البيان في حقائق القرآن
سقيم بمحبتك مملوء من شوقك ، محترق بنيران عشقك ، خال عن غيرك من العرش إلى الثرى ، رفيق بلزوم أنوار كشف جمالك ، له لطيف في تقلب ذاتك وصفاتك بنعت المحبة والمعرفة ، وأيضا بقلب طاهر عن الأدناس ، وعن الهواجس والوسواس ، بيّن سبحانه في هذه الآيات مقام خليله بين يديه من المراتب الشريفة والحالات الرفيعة ، الإشارة الأولى بقوله : الَّذِي خَلَقَنِي إلى محض وحدانية الحق وكمال قدرته الأزلية بنعت نفي الأنداد والأضداد . وأشار في قوله : فَهُوَ يَهْدِينِ إلى قطع الأسباب والاكتساب في النبوة والولاية والخلة بالإشارة إلى الاصطفائية السابقة ، وأشار في قوله : هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ إلى مقام التوكل والرضا والتسليم والتفويض ، وقطع الأسباب ، والأعمال إليه بالكلية ، والإعراض عما سواه ، وهكذا الإشارة في قوله : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ رفع الرجوع إلى غيره والسكون إلى التداوي والمعالجة بشيء ؛ فهو كمال التسليم ، وأشار بقوله : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ أنه مشاهد سوابق القدر بنعت الرضا بالحكم والقضاء . وأشار بقوله : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي إلى مقام حسن اليقين ، وحسن الرجاء ، وخالص العبودية ، وأشار بقوله : وَلا تُخْزِنِي إلى مقام الإجلال والتعظيم والخوف والخشية والهيبة ، وأشار بقوله : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إلى التخلق بخلق اللّه والاتصاف بصفته إذ لم يكن القلب سليما بلا عيب إلا إذا كان متصفا بطهارة قدس الحق عن النظر إلى الخلق ، واستعمل حسن الأدب في كمال خلقه ومعرفته في وصف الحق سبحانه بمكنيات ألفاظ حيث قال : الَّذِي ، وهذا من غلبه حرمة الحق عليه ، وتمكينه في الصحو بعد سكره في البداية ، وجرأته حين غلب عليه سكر المحبة حيث خاطب الحق بتصريح القول في المواجهة بقوله : كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 260 ] ، و رَبِّ اجْعَلْنِي [ إبراهيم : 40 ] ، و هذا رَبِّي [ الأنعام : 77 ] ، والدليل على ذلك قول الواسطي قال : لما استغرق إبراهيم في الخلة احتشم من ذكر خليله بالتصريح ، فرجع إلى الصفات جعل يقول : « الذي » ، ولم يصرح بل كنى ، والكناية فيها تصريح ، ولما كان في ابتداء مقاماته وأوائل جذبه لم يستغرق في الخلة جعل يصرح ، ويقول : « ربي » « ربي » . قال بعضهم : الذي خلقني لعبوديته يهديني إلى قربه . وقال بعضهم : الذي خلقني لدعوة خلقه سيهديني إلى آداب خلته . قال الأستاذ : أي : يهديني إليّ فإلي محو في وجودي ، فليس لي خير عني . وقال النهرجوري : الذي يطعمني حلاوة ذكره ، ويسقيني كأس محبته .